محمد متولي الشعراوي
10302
تفسير الشعراوي
صانع أنْ يتقن صَنْعته ويُخلِص فيها ، والإنسان غالباً لا يحسن إلا زاوية واحدة في حياته ، هي حرفته وتخصصه ، وربما لا يحسنها لنفسه ؛ لأنه لا يتقاضى عليها أجراً ، لذلك يقولون ( باب النجار مخلع ) أما إنْ عمل للآخرين فإنه يُحسِن عمله ويتقن صنعته ، وكذلك يتقن الناس لك ما في أيديهم ، فتستقيم الأمور ، فأحْسن ما في يدك للناس ، يحسنْ لك الناسُ ما في أيديهم . وقوله تعالى : { والله يَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [ النور : 46 ] . ولقائل أنْ يسأل : وما ذنب مَنْ لم يدخل في هذه المشيئة فلم يُهْتد ؟ وسبق أن قلنا : إن الهداية نوعان : هداية الدلالة وهداية المعونة على الدلالة . فالله تعالى يهدي الجميع هداية الدلالة ، ويبين للكل أسباب الخير وسُبل النجاة وطريق الفلاح والأسلوب الأمثل في إدارة حركة الحياة ، فمَنْ سمع كلام الله ووثق في توجيهه وأطاع في هداية الدلالة أعانه بهداية المعونة . فساعة تسمع : { والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين } [ المائدة : 108 ] . { والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين } [ البقرة : 258 ] . فاعلم أنهم امتنعوا عن هداية الدلالة فامتنعت عنهم هداية المعونة ، لا هداية الدلالة والإرشاد والبيان . وقلنا : إن كلمة { أَنزَلْنَآ } [ النور : 46 ] تشعر باحترام الشيء المنزّل ؛ لأن الإنزال لا يكون إلا من العُلُو إلى الأدنى ، فكأن ربك عَزَّ وَجَلَّ حين يكلفك يقول لك : أريد أن أرتفع بك من مستوى الأرض إلى عُلو السماء ؛ لذلك يقول تعالى في موضع آخر : { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } [ الأنعام : 151 ] .